الشيخ محمد رشيد رضا

572

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأمثل ما قيل في باب الإشارة ما شرحه الغزالي في بحث فرق المغرورين من الصوفية في كتاب الغرور من الاحياء فإنه بعد أن ذكر الذين اغتروا بأول ما انفتح لهم من أبواب المعرفة وما شموا من رائحتها فوقفوا عنده قال : وفرقة أخرى جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرجوا على الفرح بها والالتفات إليها ، جادين في السير حتى قاربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى اللّه تعالى فظنوا أنهم قد وصلوا إلى اللّه فوقفوا وغلطوا ، فان للّه تعالى سبعين حجابا من نور « 1 » لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق الا يظن أنه قد وصل . واليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السّلام إذ قال اللّه تعالى اخبارا عنه ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) وليس المعنيّ به هذه الأجسام المضيئة فإنه كان يراها في الصغر ويعلم أنها ليست آلهة وهي كثيرة وليست واحدا ، والجهال يعلمون أن الكوكب ليس باله فمثل إبراهيم عليه السّلام لا يغره الكوكب الذي لا يغر السوادية « 2 » ولكن المراد به أنه نور من الأنوار التي هي من حجب اللّه عز وجل وهي على طريق السالكين ولا يتصوّر الوصول إلى اللّه تعالى الا بالوصول إلى هذه الحجب ، وهي حجب من نور بعضها أكبر من بعض « 3 » وأصغر النيرات الكوكب فاستعير له لفظه وأعظمها الشمس وبينهما رتبة القمر فلم يزل إبراهيم عليه السّلام لما رأى ملكوت السماوات حيث قال اللّه تعالى ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يصل إلى نور بعد نور ويتخيل اليه في أول ما كان يلقاه انه قد وصل ثم كان يكشف له أن وراءه أمرا فيترقى اليه ويقول قد وصلت فيكشف له ما وراءه حتى وصل إلى الحجاب الأقرب الذي لا وصول الا بعده فقال ( هذا أكبر ) فلما ظهر له أنه مع عظمه غير خال عن الهويّ في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال ( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * . . . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي

--> ( 1 ) ورد هذا في حديث مرفوع والمراد من الحجب ما يصرف العبد عن الوصول إلى منتهى معرفة ربه نهي حجب عليه لا على ربه ( 2 ) السوادية العامة وكلمة سواد تطلق على الشخص المجهول وعلى الكثير من الناس وعلمتهم . وهذه الجملة والاستدراك بعدها يخرج الكلام من باب الإشارة ويدخله في باب التفسير فهو خطأ في التعبير ( 3 ) المراد الكبر المعنوي وهو العظمة